الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
257
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بمرتبتين لأن ذلك اليوم زمن الأهوال التي تشيب لمثلها الأطفال ، والأهوال سبب للشيب عرفا . والشيب كناية عن هذا الهول فاجتمع في الآية مجازان عقليان وكناية ومبالغة في قوله : يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً . وجملة السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ صفة ثانية . والباء بمعنى ( في ) وهو ارتقاء في وصف اليوم بحدوث الأهوال فيه فإن انفطار السماء أشد هو لا ورعبا مما كني عنه بجملة يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً . أي السماء على عظمها وسمكها تنفطر لذلك اليوم فما ظنكم بأنفسكم وأمثالكم من الخلائق فيه . والانفطار : التشقق الذي يحدث في السماء لنزول الملائكة وصعودهم كما تقدم في قوله تعالى : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ في سورة المعارج [ 4 ] . وذكر انفطار السماء في ذلك اليوم زيادة في تهويل أحواله لأن ذلك يزيد المهددين رعبا وإن لم يكن انفطار السماء من آثار أعمالهم ولا له أثر في زيادة نكالهم . ويجوز أن تجعل جملة السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ مستأنفة معترضة بين جملة فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إلخ ، وجملة كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا والباء للسببية ويكون الضمير المجرور بالباء عائدا إلى الكفر المأخوذ من فعل كَفَرْتُمْ . ويجوز أن يكون الإخبار بانفطار السماء على طريقة التشبيه البليغ ، أي كالمنفطر به فيكون المعنى كقوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [ مريم : 88 - 90 ] . ووصف السماء بمنفطر بصيغة التذكير مع أن السماء في اللغة من الأسماء المعتبرة مؤنثة في الشائع . قال الفراء : السماء تذكّر على التأويل بالسقف لأن أصل تسميتها سماء على التشبيه بالسقف ، أي والسقف مذكر والسماء مؤنث . وتبعه الجوهري وابن برّي . وأنشد الجوهري على ذلك قول الشاعر : فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا بالسماء مع السحاب وأنشد ابن برّي أيضا في تذكير السماء بمعنى السقف قول الآخر : وقالت سماء البيت فوقك مخلق * ولمّا تيسّر اجتلاء الركائب